
مضى ذلك اليوم المجيد، الثامن من كانون الأوّل (ديسمبر)، وأنا أكاد لا أُصدّق أنّ بشّار الأسد فرّ مع أسرته إلى موسكو، وأنّ النظام الذي جثم على صدور السوريين أكثر من خمسة عقود ونكّل بهم وأذلّهم ونهبهم لم يصمد إلّا أيّاماً قليلةً أمام كتائب الجهاديّين الآتين من إدلب ودرعا. أين قوّات «النمر» التي قيل أنّ الروس تبنّوها ودرّبوها وسلّحوها وجعلوا منها نخبةً من المقاتلين الأشدّاء؟ وأين الفرقة الرابعة المشهورة بشراستها ووفائها لقائدها، ماهر الأسد، وولائِها لإيران؟ كنت واثقاً مثل كثيرين من أنّ النظام في أزمة خانقة بسبب انشغال روسيا في أوكرانيا وتخلخل قوى حزب الله العسكريّة في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي، ومعها سائر الميليشيات الشيعيّة، وتفكّك الأسرة المالكة وعزلتها حتّى في بيئتها الطائفيّة. وكنت أعرف أيضاً أنّ الدول العربيّة التي طبّعت علاقاتها مع بشّار، خصوصاً المملكة العربيّة السعوديّة، قد انقلبت عليه حين أدركت أنّه لن يفي، صلفاً أو عجزاً، بأيّ وعدٍ من وعوده. ولكنْ ، مع ذلك كلّه، لم تتبدّد دهشتي ولم أُفقْ من ذهولي ولم أستطع التعبير عن فرحي العارم، بدموعٍ غزيرةٍ وضحكٍ صاخب، إلّا عندما تأكّدتُ في صبيحة اليوم التالي من أنّ الأُمنية الأغلى في حياتي منذ سنين طويلة، وهي أن أشهد قبل أن أموت نهاية الأبد الأسديّ، قد تحقّقت.


